خلاصة في الفعاليات السياسية في عصر النبوة


خلاصة

في الفعاليات السياسية في عصر النبوة


1- مارَسَ الإسلامُ السياسةَ كجزء من منظومة الحياة الدينية التي دعا إليها، وكان من أبرز سماتها في تلك المرحلة التحدي، وإنَّ السياسة وسيلة وليست غاية، والإسلام في شريعته لا يفصِل بين السياسة والدين، مثلما لا يفصل بين الدين والحياة، وتناول الإسلام السياسة بالوسطية والعدل الذي أمر الله تعالى به مثل باقي مفردات الحياة الأخرى.

2- الدين الإسلامي منهج رباني؛ فهو بِناءً على ذلك ليس ينقصه شيء، وبما أن السياسة الشرعية جزء من الدين فهي تتصف بالكمال، هذا الكلام كان في حياة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه مؤيَّد بالوحي ومعصوم به، وأما ما جاء بعده فهو خاضع لاجتهاد البشر، فيحدث فيه التقصير، وربما الخطأ.

3- باشَر رسولُ الله محمد صلى الله عليه وسلم مهامَّه نبيًّا ورسولًا ورئيسًا للدولة، واستطاع أن يقدم تجرِبة ناجحة ناصعة البياض للقائد المتدين المسلم، وقدم النبي محمد صلى الله عليه وسلم مهارات فائقة في التعبد، وفي سياسة الناس، وفي السياسة الخارجية، وفي الفكر الاقتصادي، والتشريع القضائي، وإدارة الأزمات، وتقديم الخدمات، وإدارة الصراع، وقيادة الجيوش، والتعامل الاجتماعي.

4- ممارسة السلطة أو الحكم تقوم على أساسين، هما شرطا صحته:
أولهما: الحكم بما أنزل الله جل جلاله.
ثانيهما: العدل بين الرعية.

ووسيلة الوصول تكون عن طريق الشورى، كآلية عمل لتحقيق سياسة ناجحة؛ يقول تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ [الشورى: 38].

5- إنَّ الدستور الذي تعتمد عليه وتعمل به السياسة في الإسلام هو مجموعة الأحكام التي جاءت في القرآن الكريم وسنَّة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وهما يشتملانِ على ما يُصلح أحوال البشر منذ خلق الله آدم عليه السلام حتى يرِث الله الأرض ومَن عليها، وقد تكفل الله بحفظهما من التحريف والتزوير، والزيادة والنقص.

6- العمل السري في أول عُمُر السياسة في الإسلام كان ضرورة مرحلة؛ مِن أجل كسب شخصيات متميزة، وعدم إثارة أصحاب النفوذ ممن تضررت مصالحهم منها، وإنَّ أسلوب السرية في العمل السياسي ليس ملزمًا للمسلمين في أزمنة مختلفة عن العهد النبوي، ولكن الأمر حسبما تقتضيه المرحلة والمصلحة.

7- إنها نقَلت تفكير المواطن من نطاق ضيق مرحلي بدائي مناطقي، على الرغم مِن حجم التحديات والظروف القاهرة والعذاب والمشقة والضنك، إلى تفكير واسع شمولي متطور ومتحضر وعالمي، ونجحت في ذلك نجاحًا منقطع النظير.

8- على الرغم مِن علاقة السياسة الإسلامية الوثيقة بالدِّين، واعتمادها على الله جل جلاله في أمورها، وهو الخالق والمتصرف في شؤون الخَلْق والقادر على كل شيء - فإنها أخذَتْ بقانون الأسباب والمسببات التي أمر الله بها، ومن ذلك: اعتمادها على رجال من طراز فريد يحملون أعباءها، ويطبِّقون أسسها على الصعيدين المدني والعسكري.

9- أعلنَتْ منذ البداية أحقيتها في بناء دولتها مثلها مثل الآخرين؛ فشرعت بذلك القوانين والأنظمة الداخلية لعلاقة الأفراد فيما بينهم، وبينهم وبين دولتهم، وعلاقة الدولة مع الأقليات وحقوقهم وواجباتهم، وسمَّت المهامَّ والحقوق بشكل تفصيلي ناجح، أثبتت من خلالها نظرتها الإستراتيجية الفائقة في العمل السياسي والإداري والتنظيمي.

10- أقامت دولتَها على أرض غير الأرض التي انطلقت منها، ولم يكن أفراد شعبها ومواطنيها من قومية واحدة أو عِرق واحد أو أمة واحدة، بل تنوَّعوا فكانوا من مشاربَ شتى، وفي ذلك دلالة على أنها تنظر إلى مفهوم الأرض والشعب نظرة شمولية تختلف عن بقية السياسات.

11- انطلقت دولتُها من المسجد الذي كان يمثل هويتها، كعنوان لعدم فصل الدين عن الدولة، كما جاءت بتسميات جديدة للمفاهيم للتعبير عن استقلال هويتها، ومن أهمها أنها سمَّتْ نفسها: (أمة الإسلام) والعلاقة بين أفرادها (الأخوة).

12- تناولت موضوعي السلم والحرب بشكل جديد؛ فقد كان السلم هو الأساس الذي يُدِير العلاقة بين الناس، ولكنها مارست الحرب بشكل متواصل، ولم تكن الحرب رغم طولها وشدتها إلا وسيلةً لنشر السلام والحرية بين الناس.

13- حرَصت الدولة الإسلامية على تكليف مَن هو جدير بالمهمات السياسية؛ فليس هناك مجاملات ولا مداهنات ولا تأثير لقرابات في تولية المهام والوظائف؛ فلقد طلب العباسُ بن عبدالمطلب رضي الله عنه وهو عم رئيس الدولة الإسلامية النبي محمد صلى الله عليه وسلم - طلَب أن يُعطى مفاتيح الكعبة يوم الانتصار الكبير وفتح مكة، ولكنَّ رسولَ الله محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يعطها إلا لمن له الحق في ذلك الأمر، وأن يكون المفتاح بيد مَن فيه خير للأمة الإسلامية.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة وتسلَّم مفاتيح الكعبة مِن بني شيبة، طلبها منه العباس؛ ليجمع له بين سقاية الحاج وسدانة البيت، فأنزل الله هذه الآية[1] بدفع مفاتيح الكعبة إلى بني شيبة، فيجب على وليِّ الأمر أن يولِّي على كل عمل مِن أعمال المسلمين أصلَحَ مَن يجده لذلك العمل؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن ولِيَ مِن أمر المسلمين شيئًا، فولى رجلًا، وهو يجد مَن هو أصلح للمسلمين منه، فقد خان اللهَ ورسوله))، وفي رواية: ((مَن قلَّد رجلًا عملًا على عصابة وهو يجد في تلك العصابة أرضى منه، فقد خان اللهَ، وخان رسولَه، وخان المؤمنين))؛ رواه الحاكم في صحيحه، وروى بعضُهم أنه مِن قول عمر رضي الله عنه)[2].

14- الإنسان قيمةٌ عُلْيَا، قياسًا ببقية المخلوقات؛ لهذا تعاملَتِ السياسة الإسلامية معه بكثير مِن الاهتمام والرعاية والعناية، واستثمرته مِن أجل خدمة القضية والإنسانية، حتى أولئك الذين أساؤوا للإسلام وقضيته، فإن السياسة في الإسلام كجزء من عظمتها وكمالها ورقيِّها تمنحه فرصة إضافية؛ مِن أجل أن يقدم كل ما عنده للتعويض، فهذا عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه أعلن عداءه للإسلام بشكل لا يوصف، وحارب الإسلام بكل ما أوتي من قوة قبل إسلامه، ثم يضطر رسولُ الله محمد صلى الله عليه وسلم إلى أن يُعلِن هدر دمه، ويأمر صلى الله عليه وسلم بقتل عكرمة، ولو كان متشبثًا بأستار الكعبة؛ فالجزاء من جنس العمل، وتدخلت زوجتُه الوفية أم حكيم رضي الله عنها وبأسلوب راقٍ تطلب فرصة جديدة لزوجها عكرمة رضي الله عنه.

لقد "وجَد عكرمة بن أبي جهل نفسه مدفوعًا بحكم زعامة أبيه إلى مناوأة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم؛ فعادى الرسولَ أشد العداء، وآذى أصحابه أفدح الإيذاء، وصبَّ على الإسلام والمسلمين مِن النَّكال ما قرَّت به عين أبيه"[3].

شارَك عكرمةُ بقوة ضد المسلمين في بدر وأُحد وفي الخَندق، وكان من الفرسان القلائل الذين عبروا الخندق، وحتى في فتح مكة كان من القلائل الذين قاتلوا ضد الجيش الإسلامي، فلنا أن نتخيل مدى عدائه للإسلام.

وتصل لعكرمةَ رضي الله عنه رسالة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم بالعفو، واستفاد مِن مكرمة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم على استحياء، منحه رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو رئيس الدولة - الفرصةَ كاملة ليعوِّض ما كان، واضعًا ماضيه وراءه ظهريًّا، فحين يكون الخيار كسب قائد فذ ومقاتل شرس ورجل من طراز نادر أو سفك دمه، فالخيار بالتأكيد مع الكسب، وذلك هو روح السياسة في الإسلام في التعامل مع الإنسان.

ويقترب اللقاءُ، ويقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم للصحابة: ((يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنًا مهاجرًا، فلا تسبوا أباه؛ فإن سبَّ الميِّت يؤذي الحيَّ، ولا يبلغ الميت))، فلما بلغ بابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم استبشَر ووثب له رسول الله صلى الله عليه وسلم قائمًا على رجليه فرحًا بقدومه"[4].

ويؤمِن عكرمة، ويعاهد رسول الله محمدًا صلى الله عليه وسلم على أن يقدم للإسلام ضعف ما عاداه، وينطلق ليعوِّض ما فاته، ويكون قائدًا من قادة حروب الردة، ويكون له دور فعال في قمع المرتدين، ثم يكون قائدًا من قُوَّاد الفتوحات لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، وفي الجبهة الشمالية في قاطع الشام وتحديدًا مع دولة الروم، وفي معركة من معارك التاريخ، ينطلق عكرمة البطل الصِّنديد لا يقف في وجهه شيء، ولا يلوي على شيء، ويبَرُّ بوعده لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم يوم أسلم، وفي يوم اليرموك أقبل عكرمة على القتال إقبال الظامئ على الماء البارد في اليوم القائظ.

ولما اشتد الكربُ على المسلمين في أحد المواقف، نزل عن جوَاده، وكسر غِمد سيفه، وأوغل في صفوف الروم، فبادر إليه خالد رضي الله عنه وقال: لا تفعل يا عكرمة؛ فإن قتلك سيكون شديدًا على المسلمين، فقال: إليك عني يا خالد؛ فلقد كان لك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سابقة، أما أنا وأبي فقد كنا من أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعني أكفِّرْ عما سلف مني، ثم قال: لقد قاتلتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواطن كثيرة وأفر من الروم اليوم، إن هذا لن يكون أبدًا.

ثم نادى في المسلمين: مَن يبايع على الموت؟ فبايعه عمه الحارث بن هشام وضرار بن الأزور في أربعمائة من المسلمين، فقاتلوا دون فُسطاط خالد رضي الله عنه أشد القتال، وذادوا عنه أكرم الذود.

ولما انجلَتْ معركة اليرموك عن ذلك النصر المؤزر للمسلمين، كان يتمدَّد على أرض اليرموك ثلاثة مجاهدين أثخنتهم الجراح، هم: الحارث بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل رضي الله عنهم"[5].

يقول الذهبي رحمه الله: "نزل عكرمةُ يوم اليرموك فقاتل قتالًا شديدًا وقُتل، فوجدوا به بضعًا وسبعين؛ ما بين ضربة، ورمية، وطعنة"[6].

15- صحيح أن السياسةَ الإسلامية مؤمنة دِينية الأصول، بمعنى أنها مرتبطة بقدر الله تعالى، إلا إنها تدعو مواطني الدولة الإسلامية بالأخذ بالأسباب في كل شؤونهم وعدم انتظار المعجزات؛ يقول الله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ [المائدة: 48].

فلو شاء اللهُ تعالى لجعَل الناس يؤمنون بالإسلام ويخضعون لسياسته في لمحة بصر، أو أدنى من ذلك، ولكن الأمر ليس كذلك، المطلوب من المسلمين السعي والعمل، والدعوة والقتال؛ مِن أجل نشر عقيدتهم، وإن إقامة دولتهم وانتصار سياستهم لا بد أن يكونَ بجهدهم هم.

ومِثل ذلك ما ورَد في السنة؛ فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، قال: كنتُ يافعًا في غنَم لعقبة بن أبي معيط أرعاها، فأتى علَيَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، فقال: ((يا غلامُ، هل معك من لبن؟))، فقلت: نعم، ولكني مؤتمن،قال: ((ائتِني بشاة لم يَنْزُ عليها الفحل))، فأتيته بعَناق، فاعتقلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جعل يمسح الضرع ويدعو حتى أنزلت، فأتاه أبو بكر رضوان الله عليه بشيء فاحتلب فيه، ثم قال لأبي بكر: ((اشرَبْ))، فشرب أبو بكر رضي الله عنه، ثم شرب النبي صلى الله عليه وسلم بعده، ثم قال للضرع: ((اقلص))، فقلص، فعاد كما كان،قال: ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، علِّمْني من هذا الكلام، أو من هذا القرآن، فمسح رأسي، وقال صلى الله عليه وسلم: ((إنك غلامٌ مُعلَّم))،قال: فلقد أخذتُ من فيه سبعين سورة، ما نازعني فيها بشر"[7].

إن سياق هذا الحديث في هذا المقام ليلفِتُ النظر إلى أن نزول اللبن من السماء ليشربَ رسولُ الله محمد صلى الله عليه وسلم وهو حبيب الله سبحانه وتعالى - أمرٌ أيسرُ من اليسير أمام قدرة الله سبحانه وتعالى خالق السموات والأرض وما فيهن وما عليهن وما بينهن، ولكنَّ رسولَ الله محمدًا صلى الله عليه وسلم يُعلِّم الأمة منهجيةَ الأخذ بالأسباب.

16- قدَّمَتِ السياسة في الإسلام نموذجًا فريدًا في العلاقات الخارجية مع الدول الأخرى، وأرسلَتْ سفراءَ من طراز فريد، استطاعت بهذه السياسة الرشيدة كَسْبَ الكثير من هذه الدول، ودخولها في سلطان الإسلام، وبناء علاقات ودية وحسن جوار مبنية على السلم والثقة والاحترام المتبادل.

17- على الرغمِ مما ذكر في 16 أعلاه، فإن بعضَ هذه الدول كانت تحاول باستمرار النيلَ من الدولة الإسلامية، وتسعى إلى ذلك بأي طريقة من الطرق، ومن تلك الدول دولة الروم (الغرب)، وتوابعها من بعض حكام العرب، وتحاول طعن المسلمين ودولتهم عند أي فرصة تسنح لها، فعندما تخلَّف البعضُ من الصحابة عن غزوة تبوك التي قادها رئيس الدولة الإسلامية النبي محمد صلى الله عليه وسلم بنفسِه، كان ملِك غسَّان التابع لرئيس دولة الروم يراقب الأمور عن كَثَب، وهذا حال السياسة؛ فإن عدوَّكَ لن يتركك تتقدم وتعلو دولتك.

لقد كان ممَّن تخلف صحابي كريم، هو كعب بن مالك رضي الله عنه، فله مواقف مشهودة، إلا أنه في هذه الغزوة حصل له ما حصل، فتأخر، فلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعاقبه من أجل أن يطهره، ومن أجل أن يكون عبرة لغيره، أتَتْه رسالة مِن ملك غسان التابع لدولة الروم.

يقول كعب بن مالك رضي الله عنه: "فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشام، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول: مَن يدلُّ على كعب بن مالك؟! فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إليَّ كتابًا من ملك غسان، فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك اللهُ بدار هوان، ولا مضيعة؛ فالحَقْ بنا نواسِك، فقلت لما قرأتها: وهذا أيضًا من البلاء، فتيممتُ بها التنور فسجرته بها"[8].

إن ملِك غسان يحاول كسبَ كعب بن مالك رضي الله عنه، ليجعل منه عميلًا مثله، وينقل ولاءه من دولته لدولة أخرى، إنَّ الخيانة والارتماء السياسي في أحضان الأعداء أمر لا يستقيم مع الفطرة الإنسانية، ويخالف أدنى قِيَم الرجولة والشهامة وينافي الفطرة، فإن كان البعض يستسيغها ويخوض في مستنقعاتها الآسنة، فإن مثل كعب بن مالك رضي الله عنه لا يمكن أن يفكر في هذا الأمر.

وتتجلى صلابة العقيدة عند كعب بن مالك رضي الله عنه والتصاقه بالدولة الإسلامية وولاؤه لقضاياها على الرغم من أنها تعاقبه، ولكنه يعلم أنه يستحق ذلك، حتى لو كان لا يستحق فإنه لا يمكن أن يكون تبريرًا للخيانة العظمى.


[1] يقصد شيخ الإسلام قولَه تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ [النساء: 58].
[2] السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، أحمد بن عبدالحليم بن تيمية الحراني، ج1، ص 9.
[3] صور من حياة الصحابة؛ د. عبدالرحمن رأفتباشا، ص 115.
[4] المستدرك على الصحيحين للحاكم - كتاب معرفة الصحابة رضي الله عنهم- ذكر مناقب عكرمة بن أبي جهل.
[5] صور من حياة الصحابة؛ د. عبدالرحمن رأفت باشا، ص 122 و 123.
[6] تاريخ الإسلام، الذهبي، ج3، ص 100.
[7] صحيح ابن حبان - كتاب التاريخ - ذكر ظهور اللبن من الضرع الحائل للمصطفى صلى الله عليه وسلم.
[8] صحيح البخاري - كتاب المغازي - باب حديث كعب بن مالك

تعليقات