أعمال صالحة تتأكد في رمضان


{1}
قبل الشروع في ذكر بعض الأعمال الصالحة التي تتأكد في رمضان تلاحظ أموراً:
أحدهما: الإدراك الحقيقي لقيمة هذا الموسم وفضله وأنه إن مضى فلا
تضمن انك ستدرك غيره، وأنه فرصة قصيرة، وصدق الله: }أَيَّامًا مَعْدُودَةً{، فما أسرع ما بين أن يقول الناس: هلّ رمضان. ثم أن يقولوا: انتهى رمضان، ولا يكفي الشعور المبهم المجمل بأن رمضان. موسم فاضل فحسب.
الثاني: أن الأعمال تتفاضل، فمنها الفاضل، ومنها المفضول. ومنها
المحبوب إلى الله، ومنها الأكثر حبا إليه سبحانه، فليحرص المسلم على أفضل الأعمال وأحبها إلى الله وأعظمها أجراً.
ومن الأعمال المتأكدة في شهر رمضان:

1-تلاوة القرآن: شهر رمضان شهر القرآن، فمن أفضل ما تعمر به
الأوقات الاهتمام بالقرآن؛ حفظا وتلاوة وتدبرا وعملا. وهكذا كان سلف الأمة. وقد ذكر ابن رجب رحمه الله في كتاب (لطائف المعارف) نبذة مفيدة في خصوصية القرآن في رمضان، وعن حال السلف مع القرآن فيرمضان نذكر بعضها منها. قال رحمه الله: (في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون: في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن؛ وكان جبريل يلقاه كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن. فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة».. ودل الحديث أيضا على استحباب دراسة القرآن في رمضان والاجتماع على ذلك، وعرض القرآن على من هو أحفظ له، وفيه دليل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان.


وفي حديث فاطمة رضي الله عنها عن أبيها صلى الله عليه وسلم أنه أخبرها أن جبريل عليه السلام كان يعارضه القرآن ([1]) كل عام مرة وأنه عارضه في عام وفاته
مرتين. وفي حديث ابن عباس السابق – أن المدارسة بينه وبين جبريل كانت ليلا – دلالة على استحباب الإكثار من التلاوة في رمضان ليلا، فإن الليل تنقطع فيه الشواغل، ويجتمع فيه الهم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر، كما قال تعالى: }إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا{ [المزمل:6] وشهر رمضان له خصوصية بالقرآن كما قال تعالى: }شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ{([2]) [البقرة: 185] ثم تحدث عن أحوال السلف في التلاوة فقال:
(وكان بعض السلف يختم في قيام رمضان في كل ثلاث ليال، وبعضهم
في كل سبع، منهم قتادة، وبعضهم في كل عشر؛ منهم أبو رجاء العطاردي. وكان السلف يتلون القرآن في شهر رمضان في الصلاة وغيرها. وكان الأسود يقرأ القرآن في كل ليلتين في رمضان، وكان النخعي يفعل ذلك في العشر الأواخر منه خاصة، وفي بقية الشهر في ثلاث. وكان قتادة يختم في كل سبع دائما، وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر الأواخر كل ليلة، وكان للشافعي في رمضان ستون ختمة يقرأها في غير الصلاة، وعن أبي حنيفة نحوه. وكان قتادة يدرس القرآن في شهر رمضان، وكان الزهري إذا دخل رمضان قال: فإنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام. قال ابن عبد الحكم: كان مالك إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف. قال عبد الرزاق: كان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن، وكانت عائشة رضي الله عنها تقرأ في المصحف أول النهار في شهر رمضان، فإذا طلعت الشمس نامت. وقال سفيان: كان زبيد اليامي إذا حضر رمضان أحضر المصاحف وجمع إليه أصحابه ».


«وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك، فأما الأوقات المفضلة كشهر رمضان – خصوصا الليالي التي
يطلب فيها ليلة القدر – أو في الأماكن المفضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتناما للزمان والمكان. وهو قول احمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة، وعليه يدل عمل غيرهم كما سبق ذكره» ([3]).
2-الصدقة: للصدقة مزية وخصوصية في رمضان، فينبغي المبادرة إليها
والحرص عليها، وعدم إهمالها أو التقصير في أبوابها، أو النظر إليها وكأنها مقصورة على سن معين أو مستوى مالي معين.
ولها أشكال كثيرة منها: إطعام الطعام، وتفطير الصائمين، وقد كان السلف
يحرصون كثيرا على إطعام الطعام. سواء كان إشباع جائع أو تفطير صائم أو إطعام أخ صالح، فلا يشترط في المطعم الفقر. وكانوا يفضلونه – أي إطعام الطعام – ويقدمونه على عبادات كثيرة. حتى إنه يرون عن علي رضي الله عنه أنه قال: لأن أجمع أناسا من إخواني على صاع من طعام أحب إلى من أن أدخل سوقكم هذا فأبتاع نسمه فاعتقها. وروي عن غيره نحو هذا. وقد ذكر ابن رجب رحمه الله نبذة قيمة في هذا الموضوع في شرح (حديث اختصام الملأ الأعلى)([4]) وتلك العبادة – إطعام الطعام – ينشأ عنها عبادات كثيرة: من شكر نعمة الله في المال والطعام، ومن التودد والتحبب إلى إخوانك الذين أطعمتهم فيكون هذا سببا في دخول الجنة. وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولن تؤمنوا حتى تحابوا»([5]) كما ينشأ عنها مجالستهم، وفي الحديث القدسي: «وجبت محبتي للمتحابين فيّ، والمتجالسين فيّ» الحديث ([6]). كما ينشأ عنها معونتهم على الطاعات التي تقووا عليها بطعامك، وغيرها من أبواب الخير.


كما ذكر ابن رجب أيضا رحمه الله في (لطائف المعارف) في تعليقه على حديث ابن عباس رضي الله عنهما الذي سبق ذكره (حديث مدارسة
جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان وتضاعف جوده صلى الله عليه وسلم في رمضان) بعض فوائد الصدقة في رمضان ننقلها بشيء من الاختصار والتصرف، قال –رحمه الله- (وفي تضاعف جوده صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان بخصوصه فوائد كثيرة منها:
1-شرف الزمان ومضاعفة أجر العمل فيه.



2-إعانة الصائمين والقائمين والذاكرين على طاعتهم، فيستوجب المعين
لهم مثل أجرهم، كما أن «من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا»([7]) وفي حديث زيد بن خالد عن النبي صلى الله عليه وسلم«من فطر صائما فله مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئا»([8]).
3-ومن فوائد تضاعف جود النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان أنه شهر يجود الله على عباده بالرحمة والمغفرة والعتق من النار، لا سيما في ليلة القدر، والله تعالى يرحم من عباده الرحماء، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إنما يرحم الله من عباده
الرحماء»([9])، فمن جاد على عباد الله جاد الله عليه بالعطاء والفضل، والجزاء من جنس العمل.
4-أن الجمع بين الصيام والصدقة من موجبات الجنة. كما في حديث علي
رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام، وألان الكلام وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام»([10]).
وهذه الخصال كلها تكون في رمضان فيجتمع فيه للمؤمن الصيام والقيام
والصدقة وطيب الكلام، فإنه ينهي فيه الصائم عن اللغو والرفث.
5-أن الجمع بين الصيام والصدقة أبلغ في تكفير الخطايا واتقاء جهنم والمباعدة عنها، وخصوصا إن ضم إلى ذلك قيام الليل [وأورد المؤلف عدة أحاديث في ذلك].

6-أن الصيام لابد أن يقع في خلل أو نقص. والصدقة تجبر ذلك النقص والخلل) انتهى ملخصاً ([11]).
7-جلوس الإنسان في صلاة حتى تطلع الشمس: ففي صحيح مسلم أن
النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى الغداة ([12]) جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس. وروى الترمذي عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً: «من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة»([13]).
هذا الفضل على مدى العام، فما الظن برمضان؟! لا شك أن فضل هذا يتأكد. لكن المكث في المسجد تلك الساعة قد يثقل على النفس حين يرى المرء المصلين ينصرفون واحدا تلو الآخر. لكن ينبغي للحازم أن ينظر – في أمور الدين – إلى من هو فوقه ومن هو أنشط منه، لا العكس.
وثمة سبب آخر قد يحول دون الاستفادة من تلك الساعة الثمينة، وهو مواصلة السهر، أو عدم النوم في الليل فترة كافية.

وهذا لا ينبغي، لأنه ولو كان انشغالا في طاعة فإنه يفوت – غالبا – ما هو أفضل منه لما يلي:
(أ) أنه خلاف سنة النبي صلى الله عليه وسلم المستنبطة من قول عائشة –رضي الله عنها-
«كان –أي رسول الله صلى الله عليه وسلم - إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله» فيفهم منه – والله أعلم – أن إحياء الليل مختص بليالي العشر.


(ب) مما يحرص عليه المسلم التبكير بالنوم. وكراهة السمر بعد العشاء ثابتة في الصحيحين، فعن أبي برزة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان
يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها.
قال النووي رحمه الله في رياض الصالحين.
(باب كراهة الحديث بعد العشاء الآخرة؛ والمراد به الحديث الذي يكون
مباحا في غير هذا الوقت وفعله وتركه سواء؛ وأما الحديث مع الضيف ومع طالب حاجة ونحوها فلا كراهة فيه، بل هو مستحب، وكذا الحديث لعذر وعارض لا كراهية فيه. وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على كل ما ذكرته) ثم ساق بعضاً منها.
وما ذكره رحمه الله لا يعارض ما سبق ذكره من كراهة الحديث بعد
العشاء، إذ هو الأصل. لكن تبقى تلك الأحوال التي ذكرها ونحوها استثناءات.
فلا ينبغي أن يجعل الاستثناء هو الأصل، ويجعل الأصل هو العارض
الطارئ، والذي يحدث منا غالبا أننا نرخص لأنفسنا التمادي في السهر، متوسعين بتلك الأعذار. والسنة بين الغالي والجافي. فما ينبغي للمسلم أن يترخص الترخص الجافي، ولا يتشدد التشدد الغالي.
والمسلم يحرص على كمال الاقتداء والتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم ليكون في القمة من الطائفة المنصورة التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله، وهم كذلك» رواه مسلم. فلا يغب عن بالنا أنه كما أن الصحابة رضي الله عنهم يتفاوتون في درجة الصحبة وفي سبقهم ومنازلهم، فكذلك تلك الطائفة المنصورة فمنهم السابق بالخبرات ومنهم المقصد ومنهم الظالم لنفسه، وذلك بحسب تمسكهم بسنة إمامهم صلى الله عليه وسلم والدفاع عنها والدعوة إليها.
(جـ) طول السهر بالليل يفوت كثيراً من النشاط بالنهار. فيحرم الساهر من طاعات كثيرة، كالتبكير للصلوات والاستكثار من النوافل كصلاة
الضحى وغيرها. فيفوته الجمع بين تلك العبادات مع عبادة الصيام.
اغتنام آخر ساعة من النهار، وآخر ساعات الليل. وقد تقدم الحديث عنها، وفيه قول ابن رجب رحمه الله: (كان السلف لآخر النهار أشد تعظيما من أوله).

تعليقات