غصون رمضانية (22)
لقد تزينّت للخُطّاب، وانتظرتْ الأحباب على الباب، فأين مراكب الحُبِّ التي توصلهم إليها، لتكشف لهم عما هي عليه من الحلاوة والحِلى، والصباحة والملاحة، والشرف الباذخ، والطهر الشامخ، من رآها بعين الإيمان يعتقد أنه لم تفتحِ العين على أتمَّ منها في الخَلق حُسنًا، ولا أكمل منها في الطرْف صورة، قد أُفرغ فيها الجمال إفراغًا، وحوتْ من بديع المحاسن ما جعلها عروسَ الليالي، وملكةَ جمال الدهر.
إنها تنادي حبيبها للسهر، وهجر النوم فتقول:
فصادقو الحب يبقون ساهرين منتظرين اللقاء، مشتاقين لذلك الموعد الوضّاء، يعدون الشهور والليالي والأيام، وكلما اقترب الزمن زاد الحنين.
تلك التي كانت هوايَ وحاجتي ♦♦♦ لو أنّ داراً بالأحبّة تُسْعِف[5]
إنه الموعد السنوي مع الليلة المباركة ليلة القدر، التي يرتقبها أهل الصلاح والعبادة؛ طمعًا في فضلها، وحرصًا على خيرها، فهي مُزنة الخيرات، ومنهل البركات، وليلة الزاد العظيم، والكنز الثمين الذي إذا حازه الإنسان فقد ظفر بخير كثير.
ليلة يخبئ رحمُها سعادة رحبة لمن قامها مخلصًا، فهي معراج بلوغ الآمال، وزوال الآلام، وإحراق الذنوب.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه)[6]
هي ليلة واحدة، لكنها دهر، وساعات معدودة، لكنها سنوات ممتدة، وزمن قصير في حشاه خير كثير، ﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ [القدر: 3].
إنها ليلة تختصر مسافة الزمن، وطريقَ الوصول إلى الهدف المأمول.
هذه الليلة المباركة هي الليلة التي شمّر لقيامها أهل السباق، ونصبوا لأجلها أقدمَهم بين يدي الخلاّق، وأسهروا عيونهم، وادخروا الدموع الكثيرة ليريقوها هذه الليلة،
لمثلِها كنتُ أصونُ الدُّموعْ ♦♦♦ فلْتذرِفِ العينُ ويَنْأ الهُجوعْ[7].
إن الله تعالى قد شرّف هذه الليلة بنزول القرآن الكريم فيها من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ ﴾ [الدخان: 3] وهي ليلة ذات شرف وفضل وعظمة ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ [الدخان: 4]، وتفوق بهذا الفضل والشرف والعمل الصالح فيها ألفَ شهر ليس فيها ليلةُ قدر، ومن براهين فضلها وخيرها: أن الملائكة يكثر نزولهم إلى الأرض ومن بينهم جبريل عليه السلام، ولا تهبط الملائكة إلا بالخير ﴿ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ﴾ [القدر: 4]، وهي ليلة كاملة ذات سلامة من المكروهات، وتسليم من الملائكة على المؤمنين، وينبغي عدم الخصام والاختلاف فيها، ﴿ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴾ [القدر: 5]، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يخبر بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين فقال: (إني خرجت لأخبركم بليلة القدر، وإنه تلاحى فلان وفلان فرُفِعت، وعسى أن يكون خيراً لكم)[8].
وفيها ليلة التقدير السنوي بالأرزاق والآجال والأعمال، يُفصل ذلك من اللوح المحفوظ إلى الكتبة من الملائكة (ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ) .
فيا أيها المسلم، برهنْ على صدق إيمانك، وحرصك على الخير بقيامك هذه الليلة في العشر الأواخر؛ ابتغاء وجه الله، ومن رحمة الله تعالى أن هذه الليلة أُخفي تحديدها؛ حتى يكثر اجتهاد العابدين، وتزيد قربات المتقربين، من هذا المنهل المَعين. لكن الرسول عليه الصلاة والسلام قد قرّب ذلك الزمن فحث على التماسها في أوتار العشر، وهي ليلة إحدى وعشرين، وثلاث وعشرين، وخمس وعشرين، وسبع وعشرين، وتسع وعشرين، فقال عليه الصلاة والسلام: (التمسوها في العشر الأواخر (يعني: ليلة القدر) فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقي)[9]، وقال: (التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، ليلة القدر في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى)[10].
وينبغي للمسلم أن يحث أهله على قيامها، واستغلال وقتها، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، أرأيت إن علمت ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: (قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) [11].
إن أهل قيام هذه الليلة ليعجبون من انشغال كثير من المسلمين عن خيرها بأمور الدنيا، فأين الرغبة في الآخرة، والرغبة عن الدنيا؟! فيا فوزَ من وفِّق لقيام هذه الليلة، ويا خسارة من فاته فضلها.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغلّ فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حُرم) [12].
| عبدالله بن عبده نعمان العواضي |
لقد تزينّت للخُطّاب، وانتظرتْ الأحباب على الباب، فأين مراكب الحُبِّ التي توصلهم إليها، لتكشف لهم عما هي عليه من الحلاوة والحِلى، والصباحة والملاحة، والشرف الباذخ، والطهر الشامخ، من رآها بعين الإيمان يعتقد أنه لم تفتحِ العين على أتمَّ منها في الخَلق حُسنًا، ولا أكمل منها في الطرْف صورة، قد أُفرغ فيها الجمال إفراغًا، وحوتْ من بديع المحاسن ما جعلها عروسَ الليالي، وملكةَ جمال الدهر.
تِلْكَ الَّتِي تَيَّمَتْ قَلْبِي فَصَارَ لَهَا ![]() منْ ودِّهِ ظاهرٌ بادٍ ومكتومُ [1]. ![]() تلكَ التي بلغتْ في الحسن غايته ![]() و لم تدعْ لنفيسٍ بعدها رُتبا ![]() حتى اغتدى الدرّ في أسلاكه صدفاً ![]() والمندلُ الرطب في أوطانهِ حطبا[2] ![]() • • • ![]() تلك التي قرَّت عيونُ العُلى ![]() والفضلُ فيها يا ابنَ مِفضالها ![]() وفي السما قد قامَ جبريلُها ![]() يُهدي شذا البِشْر لميكالها[3] ![]() |
إنها تنادي حبيبها للسهر، وهجر النوم فتقول:
يا أيها الراقد كم ترقدُ ![]() قم يا حبيبي قد دنا الموعد ![]() وخذ من الليل وساعاته ![]() حظّاً إذا ما هجع الرّقّد[4] ![]() |
فصادقو الحب يبقون ساهرين منتظرين اللقاء، مشتاقين لذلك الموعد الوضّاء، يعدون الشهور والليالي والأيام، وكلما اقترب الزمن زاد الحنين.
تلك التي كانت هوايَ وحاجتي ♦♦♦ لو أنّ داراً بالأحبّة تُسْعِف[5]
إنه الموعد السنوي مع الليلة المباركة ليلة القدر، التي يرتقبها أهل الصلاح والعبادة؛ طمعًا في فضلها، وحرصًا على خيرها، فهي مُزنة الخيرات، ومنهل البركات، وليلة الزاد العظيم، والكنز الثمين الذي إذا حازه الإنسان فقد ظفر بخير كثير.
ليلة يخبئ رحمُها سعادة رحبة لمن قامها مخلصًا، فهي معراج بلوغ الآمال، وزوال الآلام، وإحراق الذنوب.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه)[6]
هي ليلة واحدة، لكنها دهر، وساعات معدودة، لكنها سنوات ممتدة، وزمن قصير في حشاه خير كثير، ﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ [القدر: 3].
إنها ليلة تختصر مسافة الزمن، وطريقَ الوصول إلى الهدف المأمول.
هذه الليلة المباركة هي الليلة التي شمّر لقيامها أهل السباق، ونصبوا لأجلها أقدمَهم بين يدي الخلاّق، وأسهروا عيونهم، وادخروا الدموع الكثيرة ليريقوها هذه الليلة،
لمثلِها كنتُ أصونُ الدُّموعْ ♦♦♦ فلْتذرِفِ العينُ ويَنْأ الهُجوعْ[7].
إن الله تعالى قد شرّف هذه الليلة بنزول القرآن الكريم فيها من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ ﴾ [الدخان: 3] وهي ليلة ذات شرف وفضل وعظمة ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ [الدخان: 4]، وتفوق بهذا الفضل والشرف والعمل الصالح فيها ألفَ شهر ليس فيها ليلةُ قدر، ومن براهين فضلها وخيرها: أن الملائكة يكثر نزولهم إلى الأرض ومن بينهم جبريل عليه السلام، ولا تهبط الملائكة إلا بالخير ﴿ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ﴾ [القدر: 4]، وهي ليلة كاملة ذات سلامة من المكروهات، وتسليم من الملائكة على المؤمنين، وينبغي عدم الخصام والاختلاف فيها، ﴿ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴾ [القدر: 5]، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يخبر بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين فقال: (إني خرجت لأخبركم بليلة القدر، وإنه تلاحى فلان وفلان فرُفِعت، وعسى أن يكون خيراً لكم)[8].
وفيها ليلة التقدير السنوي بالأرزاق والآجال والأعمال، يُفصل ذلك من اللوح المحفوظ إلى الكتبة من الملائكة (ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ) .
فيا أيها المسلم، برهنْ على صدق إيمانك، وحرصك على الخير بقيامك هذه الليلة في العشر الأواخر؛ ابتغاء وجه الله، ومن رحمة الله تعالى أن هذه الليلة أُخفي تحديدها؛ حتى يكثر اجتهاد العابدين، وتزيد قربات المتقربين، من هذا المنهل المَعين. لكن الرسول عليه الصلاة والسلام قد قرّب ذلك الزمن فحث على التماسها في أوتار العشر، وهي ليلة إحدى وعشرين، وثلاث وعشرين، وخمس وعشرين، وسبع وعشرين، وتسع وعشرين، فقال عليه الصلاة والسلام: (التمسوها في العشر الأواخر (يعني: ليلة القدر) فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقي)[9]، وقال: (التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، ليلة القدر في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى)[10].
وينبغي للمسلم أن يحث أهله على قيامها، واستغلال وقتها، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، أرأيت إن علمت ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: (قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) [11].
إن أهل قيام هذه الليلة ليعجبون من انشغال كثير من المسلمين عن خيرها بأمور الدنيا، فأين الرغبة في الآخرة، والرغبة عن الدنيا؟! فيا فوزَ من وفِّق لقيام هذه الليلة، ويا خسارة من فاته فضلها.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغلّ فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حُرم) [12].

تعليقات
إرسال تعليق